19 أبريل, 2010

بُكائية العيون اللاتينيّة

أستهل في البداية بهذا التصريح: السينما الأمريكية أستنفدت قدراتها الإنسانية. فالسينما في النهاية إنعكاس لنبض الشارع. أننا ننظر في الشارع الأمريكي، فماذا نرى: تيارات ما بعد الحداثة التي تنادي بموت الإنسان، الإستهلاكية المُتطرفة، الإمبريالية، البرغماتيّة و “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”، الأصوليّة.. فكيف يرجى منها، بعد هذا كله، أن تأتِ بشيء يعبر عن الإنسان؟

أوربا لم تصب بهذه الحمى على مستوى السينما، وإن كانت في الطريق لها. وربما الذي حافظ على السينما الأوربية من اللحاق بمثيلتها الأمريكية، هو التوجه الرومانسي والحالم فيها، والذي كان بمثابة الكابح أمام الموجة الماديّة، القادمة من جهت المحيط الأطلسي، والمتمثلة بـ “رامبو” و “ترمينيتور” و أفلام كونتين تارانتينو العدميّة.

إنما المكان الذي أزعم أنهُ ما زال محافظًا على إنسانيّته، في هذه الجهة الغربية من العالم، هي أمريكا اللاتينيه. فما زال فيها الإنسان يجوع، ويناضل ويثور، ويحب ويصلي. لذا هي المكان الأكثر ترشيحًا لأن تقدم سينمًا تلامس الإنسان.

السر في عيونهم”، يلامس أهم المُكتسبات الإنسانيّة ذات القدرة التعبيرية الخارقة: العيون. فالعيون في هذا الفلم، تفضح المجرم، وتفضح العاشق، على حدٍ سواء.

نحن هنا بإزاء رجلين، كل منهم يطارد مُبتغاه: الأول يبحث عن العدالة من مغتصب، وقاتل، زوجته. والآخر يرقب التي إختارها القلب، وهي تنساب من خلال أصابعه.

عزف على مقطوعة الحب الكظيم

دعوني أنفرد بجزء صغير من الفلم. قصة الحب والممانعة، التي لا يمكن أن تنسجها ألا دماء لاتينية ساخنة تنضح بالحياة، بين بطلنا وبطلتنا، المحقق الفيدرالي: بنيامين أسبوزيتو، ورئيسته في العمل، التي علقته من النظرة الأولى: أيرين مانديز.

بنيامين، أحبها بلا شك، لكنه كان يشك بأنها تبادله الحب. حياءه يمنعه من التلميّح، وخوفه من الرفض يمنعه من التصريّح. علاقته معها علاقة صداقة وزمالة، وهي علاقة قائمة على الإحترام والمصارحة.. ولكن، عتبتٌ بقت عصيةً على التجاوز. ولو أن لسان حاله إنطلق شعرًا عربيًا، لما نطق ألا  بأبيات أبن فطيس:

الموت جاك وهـو تقلبه الضنون - ولا لك إلا الصبر، وش وداك له؟

إن قلت ضايق.. قـال: هونهـا تهون - مايدري أن ضيقتك له، وبكاك له

وفوق هذا وذاك، هي مديرته في العمل وهو موظف لديها، هي خريجة أفضل الجامعات وهو خريج ثانوية، هي من أسرةٍ أرستقراطية وهو من إسرة كادحة. فكأن العقد والعراقيل الإجتماعية أجتمعت له دون غيره حتى تحول منى حياته لجحيم. فهاهي تلقي عليه تحية الصباح، ويتلعثم هو بالرد. وهاهي تفتح لهُ قلبها ليقول ما يشاء، ألا الكلمة التي يريد قولها حقًا ومن سويداء قلبه: أحبكِ!

ولنعد أبن فطيس ليتكلم بلسان بنيامين:

تقعد تحبه.. وأنـت ساكـت ومغبون

لكن للأسف، أيرين تنساق للضغوط الإجتماعية، وترتبط برجلٍ من طبقتها الإجتماعية والماديّة. ولسان حال بنيامين أمام هذا الإنسياق والإستسلام والجبريّة، قول الشاعر العربي:

ما كان يبكي يومه كي تضحكي - ما كان يسهرُ ليله لتنامي

بل كان ينشد في هواكِ سعادةً - فجعلتها حلمًا من الأحلامي

أيرين أستسلمت، أستسلمت لقدرها، لكنها لم تتخل عن حبها الذي كانت تداريه من خلف الضلوع. عندما كانت حياة بنيامين بخطر، نتيجة تهديد أحد المجرمين له، دبرت له هروبًا وعملًا في الريف لدى أقاربها الإقطاعيين، خارج العاصمة، حيث الخطر يتهدده. حينما كانت تودعه في محطة القطار، بادرها: لا، لا، لا.. أيرين، لا أستطيع، لا أستطيع. حياتي هنا.. لدي كل شيءٍ هنا!

لتجيبه بصيغة الجمع: ماذا يمكننا أن نفعل هنا؟ نحن…

حينها بدأت بالتلعثم ولم تُبن عن معنى. كما لو أنها أدركت أنها بإرساله بعيدًا، لم تكن فقط تبعده عن الخطر، وإنما تبعده عن طريقها أيضًا. كما لو أنها تقول “أحبك.. لكن بعيدًا من هنا”.

لتقول أخيرًا: لا يمكننا أن نفعل أي شيء.

تقول، لا يمكننا أن نفعل أي شيء.. فهذا أمر القدر، وعليّنا التسليم. ربما شعرت بالذنب، لأنها وإن كانت تبدي الخوف عليه، وتريده خارج المدينة، حتى يحيا، فأنها تريده حيًا، خارج حياتها.

لحظةُ وداعٍ مُرّة. الكلمات تنفر من على الألسن. الجسد يستلم المقاليد، ليتحث بدلًا من اللسان الكليل.

كلمة يتيمة “وداعًا”، من ثم يعطيها ظهره ويتجه للقاطره. تجحظ عيناه، لتتحدث هي الأخرى. نظرة أخيرة من على باب القاطرة، تستجمع أيرين شتاتها، وتلوح. يلقي بنيامين بجسده المرهق على المقعد؛ لن يراها. يسير القطار بخُطىً متئدة. أيرين ترمي بوقارها وتجري. تصل للنافذة التي يجلس بجانبها بنيامين، وجهها الشارد، يقابل وجههُ الحزين. تضع يدها على النافذة، ويفعل هو كذلك.. وتجهش هي بالبكاء.

بعد ثلث قرن

هاهي أيرين المتزوجة، ذات الطفلين، ما زالت محافظةً على وجهها النظر الجميل، تجلس في شقة بنيامين، وهي تقرأ مذكراته. تتنهد وتغلق الدفتر. يبرر:

- هي مجرد مُسودة.

تشير له بأن قهوتها قد نفدت، يبادر إلى مطبخ ليجهز لها المزيد.

تتأمل شقته وتقول:

- منزلك تمامًا كما تخيلته.

- وكيف تخيلتيه؟

- تمامًا كما هو.. كما تخيلته.

- بالتأكيد. تخيلت منزلك مختلفًا تمامًا.

- هل رأيت منزلي؟

- قصدت أنه مختلف عن منزلي.. مختلفٌ تمامًا.

تجد ورقة كتب عليها بالأسبانية (Te mo) “أنا أخاف”، كتبها وهو نائم في إحدى الليالي. تستغرب مما كتب، فيخبرها بالقصة.

يسألها عن رأيها بما كتب في مذكراته، ترد، وهي تقصد الجزيئة التي ذكر فيها ما حصل في محطة القطار:

- إنها رواية، لا يجب أن تكون حقيقية. أو حتى قابلة للتصديق.

يرد بسخرية:

- آه، أجل، غير قابلة للتصديق.

- بينيامين، ذلك الجزء.. عندما يغادر بطل الرواية المدينة..

- ما المشكلة؟

- البكاء.. وكأنه محطمٌ تمامًا.

- وماذا في ذلك؟

- وهي تجري في الرصيف وراء فتى أحلامها..

- أجل؟!

- ولمس الأيدي من خلال الزجاج.. كما لو كانا إنسانًا واحدًا.. وهي تبكي رغم علمها بمكانته.. هي يجب أن تتعقل إن كانت تحب مثل هذا الشخص.. العجز، وإعلان الحب.. وهي لم يكن لديها الشجاعة بأن تعترف بحبها؟!

- هذا ما حدث، أليس كذلك؟

- إن كان هذا حقًا ما حدث.. فلمَ لم تأخذني معك؟!

يصمت، وينظر إلى الأرض. يرفع بصره إليها، عندما تتلاقى أبصارهما.. تبدر منها تعابير ساخرة:

- غبي!

يعلم بنيامين بأنه فوت الفرصة، لم يعد هناك خط للرجعة؛ إنها مُتزوجة، ولديها أطفال.

ويشاء الحب

عادة سيئة، ألتصقت به جراء كتابته على آلة طباعة لا تطبع الحرف (A)، هو أن يتجاوزه حتى يكتبه بالقلم بعد نهاية الطباعة. كان يعمل على مُسودة روايته، بإضافة حرف (A) في الفراغات التي تركها. عندما أنتهى، تنبه لتلك الورقة التي كتبها أثناء نومه. تلك التي لم يتبين معنها. يتناولها، ويضيف الحرف الساقط في العبارة. للتحول من “أنا خائف” (Te mo) إلى “أنا أحبك” (Te amo)!

حينها أدرك أن الحب هو المكتوب، فهرع إلى مكتب إيرين، لخبرها بقراره، وليصارحها أخيرًا، مهما كانت النتائج.

- ما زلت على قيد الحياة؟

- أجل، أود الحديث معكِ.

أشرق وجهها، لكنها أستدركت:

- الأمر سيكون معقدًا.

رد عليها بثقة:

- لا أهتم!

حينها، أكتملت أشراقتها، فالخبر الذي تنتظره منذ خمسة وعشرون عامًا.. وصل..

في هذا المشهد، وددت لو كنت أنا المخرج، حتى أختار أغنية محمد عبده كأغنية نهاية الفلم:

ماعاد بدري تدري العمر مرة - سرقت سنينه مننا كيف لحظات

تقول باكر وانت باكر تبرا - ترا الزمن واقف على مر الأوقات

بتنتهي الدنيا قبل ماتجرا - لاضاعت الفرصة ترا الموت حسرات

يامن تسخر كل أمري بأمره - زهمي وحزني والفرح والمسرات

ماترحم الي وسمت فيه عبرة - اشتاق حتى صار به منك لمحات

الحب كله لوجمع عشر ذرة - والي بقلبي لك ملايين ذرات

احساسي لك كوكب تعدا المجرة - فيه الفضا شيد لنفسه مجرات

* بن فطيس، بعض العرب

* محمد عبده، ما عاد بدري

4 أصداء:

لميس يقول...

تحمست أشوفه =)

عبدالله بن عباد العتيبي يقول...

يا عيني عليك يا مروان ... بس لو تستمر لتمتعنا ... و لكنك مزاجي ... لا يؤمن جانبك

سـيـريــن يقول...

جاري تحميل الفيلم :P
مبارك الرجوع الى المدونة

نوفه يقول...

ماشاء الله اعجبني كثيرًا قراءتك للفيلم ودمج الأبيات العربية

بين ثناياها استمتعت بقراءة ما كتبت لكني لا أظن أني سأراه

لم يجذبني كثيرًا

إرسال تعليق